بين زياد ومحمود يتشظى وعيٌّ أنظر من خلاله إلى وجودي، بين “في أمل؟ أيه في أمل”، و “شو في بعد اليأس؟ في يأس أكبر”، بين ما ترنو الروح إليه وحدود الطين، بين السموّ المنشود والوضاعة الواقعة، أعيش متاهتي الكبرى مصحوبًا بكل الأسئلة غير الضرورية. أسئلةٌ كُبرى؟ لا، لم تعد كذلك، هذا زمن الاغتراب، زمنُ غياب الجدوى، وليس اللاجدوى. هناك جدوى، كانت هناك جدوىً ما لهذا الوجود قبل 15 عامًا، غابت الآن.
إن اتهام الزمن باللاجدوى هو انعكاس لعطب الإدّعاء والمدّعي، أليست جدوى هذا الزمان في صناعة كاتبٍ رقميّ قرأ الدنيا، كاتب يمكنه أن ينتج النص الذي يعبّر عنك بطريقة أفضل من تفكيرك، ذلك النص نعم، ذلك الذي تطلب من كاتبهِ ألّا يترك آثاره المبتذلة عليه؟ أليست الجدوى في المقطع المرئي الذي يكشف خبايا حياتك الخاصة التي تخجل حتى من حديث مع الأصدقاء عنها، فيؤنسك الـReel أكثر من أي صديق؟ يبدو لي أن هذه الأشياء لا زالت تحتفظ بقيمتها، بل بالأحرى، جاءت وصنعت قيمة وجدوى لكثير من الأشياء والأشخاص؟ أليس ذلك بدليل على أن هذا الزمان هو زمن غياب الجدوى وليس اللاجدوى؟ أليس دليلًا على عطبك؟
يبدو أنّك تجد خلاصًا ما في حقيقة أن ما تفعله لا جدوى له، هل يمكنك تخيّل نفسك لاهثًا وراء إعجابات الناس؟ أو تخيّل نفسك تجمع المال وتعيش لأجل ذلك؟ أو تتملق مديرك لترقية؟ أو تنعق حتى تصير بوقًا لسلطةٍ لا تراك؟ كل هذه الأشياء مُثبتة الجدوى، لكن خلاصك ليس هناك، خلاصك في غيابها، في التخلي عنها، في إنكارها، أو في اللامبالاة بها.
كل ما يمكنك التفكير فيه هو أن على الحياة ألّا تتوقف، وكذا عليها ألّا تصير عبئًا يثقلك حمله، ذلك كل ما تحتاجُ لتنجو. تنتهي إلى هذا وتتخذ طريقًا منه إلى وجودك مرّةً أخرى، يشتعل الحماسُ ويُشعلك، تحقق المعجزات، وتتحقق لك، يأخذك الطريق حتى اندمجت به، لكنك تصر على التّذكر، وفي كل نهار تواجه وجهك في المرآة، تقول: هذه جدوىً مصطنعة، تعمل -على غير العادة- بكفاءة عالية، وتنطلق إلى الموالح!
يمرّ ببالك أعمى المعرة: “تعبٌ كلها الحياة فما *** أعجب إلا من راغبٍ في ازديادِ”، تضحك آسفًا لأنك مبصر. وتتذكره كثيرًا كما في كل الأساطير، وكما تخيّله عارف حجّاوي، وكما قرأت حبيبتك مرةً كلامًا قاله كليطو عن المعرّي، وتضحك، آسفا، لأنك مبصر.
يهاتفك صديقٌ ليسأل: لماذا تخلّفت عن التجمع، فتقول له عدت إلى القرية لأمر طارئ، يرفض حجّتك ويسألك: هل أنت بخير؟ فتخبره بأنك تكادُ تذوب في وظيفتك هيامًا وتعبًا. فيقول أمتأكد أن الأمر لا علاقة له بخطبة حبيبتك السابقة؟ تضحك آسفًا لأنه مبصر! وتقول: لم أعرف إلا منك الآن. لا يهمنّي. أنا بخير، فقط أشعر بأن قواي خائرة، ولا طاقة لي باجتماع بشريّ.
تتذكر لوهلة، بأن كاتبة زرايب العبيد قد أثنت على جملةٍ قلتها عرضًا وبشكل عمليّ بحت إجابةً على طلب منها بوصفك ناشرها. تلمسّت بنت شتوان عذوبةً خفيت على القائل في المقول، وأشارت لك بذلك، فتساءلت كثيرًا: “من القائل فعلًا؟”. قررت بعد ذلك أن تعنون هذيانك التالي به، مع سبق الإصرار والترصّد لعدم التثنية على العنوان إلّا في آخر كلمات الهذيان ودون توضيح شيء!
تكتبُ هذا النص بصيغة لا تكشف عنكَ تمامًا، وتختبئُ من كل الأسئلة بنجاح في شاشات هاتفك وحاسبك وتلفازك. لكن المعرّي يسائلك: “من القائل فعلًا؟”.