نقائض | علي المجيني

مدونة شخصية أنشر فيها ما أكتبهُ مقالًا وترجمةً، كما أستعرض فيها بعض المراجعات الذاتية والموضوعية.

كالدي شاطئ القرم: “وجعلنا الليل لباسًا، والنهار معاشًا”

Untitled-6

قضيت ليالي عقدي الأخير ساهرًا .. كارهًا ساعات النهار، وزحاماتها. بل كنت وبينما يتقدم العمر بي أتحسس كثيرًا حينما يخبرني أحد أصدقائي بأن الوقت قد تأخر، وبأنه على مشارف النوم، لا يزعجني رفضه دعوتي في الحقيقة، بل أنزعج من حتميّة أن اللقاءات ستصبح أصعب وأقل. ولطالما أحسست بالخيبة والإحباط كلما عرفت أن كاتبًا أو فنانًا أحبّهُ يحبّ الصباح أكثر من الليل، بل وتتزعزع ثقتي به ويقلّ اندهاشي بأعماله، وأحير في نفسي: كيف لهؤلاء ببديل للطاقة الشاعريّة المهولة التي يأتي الظلام محمّلا بها كل ليلة؟ ومن أين يأتون بكل تلك الواقعيّة المطلوبة لعيش ساعات النهار، ومتى إذن يحدث الشّعرُ في حيواتهم؟

تفصلني اليوم شهورٌ أربعة عن إتمام عقدي الثالث على قيد الحياة، فالولوج رسميّا في سنوات الثلاثين من عمري، يرافقني شعورٌ يوميّ باللاجدوى، وباليأس، بل أظنني صرّحت مرةً في مقابلة بحثيّة عن الواقع السياسي في عمان أنني أختار اليأس حلًّا وسلاحًا. على أية حال ليس ذلك لبّ القول هنا، إنما أريد أن أوضّح ثقل أيامي، وصعوبة لياليها، والعبء الذي يدفعني لقضاء ساعاتٍ كثيرة في نوم غير ليليّ، متحديًّا بعفويّة كل المرات التي اقتبس فيها والدي آية: “وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا“. ساعاتُ نومٍ طويلة تنقطع فقط من أجل وجبة أو اثنتين، ومهمة أو أكثر تتعلق بالعمل. كان الأمرُ فادحًا بالأمس، ففيما عدا ساعاتٍ أربع، قضيت اليوم كلّه نائمًا حتى السادسة من صباح اليوم، أفقت بينما لا يزال السواد لون السماء، وشعرت برغبة نادرة في المقاومة. ترتب على إثرها قرارٌ كان قد ألغي مراتٍ عدة طوال الأسابيع الفائتة، سأذهب إلى مقهى كالدي على شاطئ القرم وأتأمل الشروق، سآخذ حاسبي الآلي معي لأنجز بعض المهام بينما أشرب القهوة، لن آخذ كتاب العمدة رفيقي المعتاد في ليل ذلك المقهى، سآخذ الحاسب فقط، لألتزم إنهاء المهام.

الشمس كانت قد قشعت كل الظلام عندما خرجتُ بسيارتي من قبو البناية، شغلت الراديو: “يابو الحبايب نحنا ** كلمة صغير بتجرحنا، غلطت كتير وسامحناك**غلطنا مرة سامحنا”. آه يا لهذا الصوت الجميل ويا للعذوبة في تعبير “يابو الحبايب”. أراقب تحسّن مزاجي بمزيد من اليأس، وأستمر في طريق مسقط الرئيسي أو ما يعرف بشارع السلطان قابوس، أتذكر سنوات البؤس تلكم التي كنت أعمل فيها بوظيفة دوام مكتبيّ يومي في ميناء الفحل، لكنه نهار الجمعة، يمكن وصف شوارع مسقط بأنها خاوية نسبيًّا، إذن فالمشهد لا يشبه ما تعودت عليه ولذلك هو لا يستدعي البؤس، ليس للصباح علاقة بهذا.

أصل إلى شاطئ القرم قبل السابعة بعشرين دقيقة، يا لبهاء هذا البحر، ويا لطاقة هؤلاء الذي يتريّضون، ويا لهاتين الساعتين الساحرتين التي تجود بهما شمس مسقط، شمس مسقط الدقيقة في تصويب أشعتها في الشتاء أكثر من الصيف، تبدأ بلطف يتيح العيش بأريحية في الهواء الطلق حتى تحل الثامنة صباحًا.

أختار أصغر المقاسين الكبيرين لقهوة سوداء على الطريقة الأمريكية. أتأمل النشاط الذي يعجّ به الشاطئ وأشعر بغيرة خفيّة مِن كل هؤلاء، أصدقاءٌ يتحدثون، عائلات تتشارك شرب القهوة، طاولة تزدحم بدرّاجين كُثر، رجالٌ يأتزورن مناشفهم وهم عائدون من البحر، يا لهذا البحر!

على غير ما يكون المقهى عليه في ساعات الليل المتأخرة، لا توجد طاولتان خاليتان متجاورتان، إذن لا بدّ أن أسمع أحاديث طاولة ما، كان اختياري سيقع على طاولة خارج المقهى قرب الباب، رجل سوداني الزيّ يجلس عليها محاطًا بثلاثة رجال عمانيين، سَمعتُه ينطق كلمة: “التروحن” بينما كنت ألج المقهى لطلب القهوة فأثار ذلك فضولي، لكنني لم أجد طاولة بما يكفي من القرب لأستطيع استراق السمع، فمضيت.

غالبية الطاولات الفارغة في أمتداد المقهى الخارجيّ الأبعد محاطة برؤوس شقراء، نظرتُ إلى طاولة تقع بين طاولتين؛ عمانييّن في الأولى وواحد في الثانية، بدت لي مكانًا مناسبًا لأقل قدر من الإزعاج. جلستُ وشرعت بشرب قهوتي وتدخين سيجارة أولى. قال الأول للثاني: “مدرسة القرم صحيح خاصّة، لكن ما يمازحوا، كنها حكومية”، قال الثاني: “آها”. استمر الأول بتمجيد المدرسة التي يدرس فيها أبنائه الثلاثة، وبذكر محاسنها المتعلقة بالشدّة التي تحكم استراتيجيتها التربوية فيما يتعلق على حدٍّ سواء بالطلاب وأولياء أمورهم، بينما كان الثاني يومئ موافقًا، أو ينطق: “آها” تعكس إما احراجه من حقيقة أن أولاده لا يدرسون في تلك المدرسة أو تشفُّ عن لا مبالاةٍ بما يُقال. اختتمت استراقي السمع بعبارة عن الرجل الأول يقتبس فيها قول المديرة الشديدة للمدرسة الشديدة: “ممكن تطلع ولدك، براحتك، في ألف طالب في قائمة الانتظار”.

كان صوته وكلامه مزعجَين بحيث لم تبق مساحة للاستمتاع بصوت البحر، ولا بشعور الألفة الذي تبعثه أصوات الأحاديث المحيطة. أخرجت سماعتي وبحثت عن موسيقى هادئة ترافقها خلفيّة بصوت أمواج البحر. وجدت بغيتي فمددت يدي إلى الحقيبة لأخرج حاسبي، إلا أنها وقعت على ما يمكن وصفه بالكنز في ظل الظروف القائمة، رواية فؤاد التكرلي: “اللاسؤال واللاجواب”، فهممت بقراءتها. بعد حين وجدتني عائدًا إلى ساحة الأندلس عندما كنت فيها قبل خمسة أشهر، اسم الفندق: فندق الاندلس، يشير موقعه على الخرائط الإلكترونية إلى شارع يتفرع عن ساحة الاندلس، صديقي العزيز الشاعر العراقي ياس السعيدي حائرٌ وخرائط ويز وقوقل لا تساعده، ولا الناس في الطريق، ولا حتى موظفي الفندق على الهاتف. وشعرت بالفرح لأنني أعرف ساحة الأندلس فتوقفت لأدون في ملاحظاتي بشيءٍ من الغيرة أيضًا، ملاحظةً عن ذاكرة المكان المفقودة هنا في عمان: ” رواية نشرت في 2007 تدور أحداثها في 1994 يظهر فيها مكانٌ زرته في 2025 بينما أقرأه الآن في 2026، ذاكرة المكان”. أواصل القراءة بكثير من الاستمتاع والاعجاب، يخطر ببالي سؤال عمّا إن كانت هذه الصفحات قد كتبت في النهار أم في الليل.

تهاتفني صديقتي الحبيبة، فأخبرها عن حلاوة ما اقرأ وتخبرني عن صدمتها بما أفعل، وبانطباعها حول إيجابيّة مزاجي في تلك المكالمة. فأصارحها بأنني أظنُّ أن للصباح سرٌّ ما، على الأقل لساعاته الأولى سرٌّ ما وسحرٌ يُدخل النفس في مساحاتٍ شاسعةٍ من الأمل وتقبّل الواقع من حيث يجعله يبدو أقل قتامةً، فتعلّق: “إنّها أعراض الثلاثين يا علي”. لا ينجح تعليقها ذلك بتكدير سعادتي بالساعات المقبلة التي أتوقع أن تخلو من عبء سؤال الجدوى واكتآباتِ الوحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook
Twitter
WhatsApp
Telegram
Scroll to Top